ابن عجيبة
478
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الحسى ، وفي الباطن : القلوب الصلبة كالحديد ، فتلين لوعظه بالإيمان والمعرفة . وكذا في حق كل عارف تلين لوعظه القلوب ، وتقشعر من كلامه الجلود . وهو أعظم نفعا من لين الحديد الحسى . ويقال له : أن اعمل سابغات ، أي : دروعا تامة ، يتحصن بها من الشيطان والهوى ، وهو ذكر اللّه ، يستعمله ويأمر به ، ذكرا متوسطا ، من غير إفراط ممل ، ولا تفريط مخل . فإذا انتعش الناس على يده كبر قدره عند ربه ، فيؤمر بالشكر ، وهو قوله : وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر سليمان عليه السّلام ، فقال : [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 12 إلى 13 ] وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ ( 12 ) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ( 13 ) قلت : « الريح » : مفعول بمحذوف ، أي : وسخرنا له الريح ، ومن رفعه ؛ فمبتدأ تقدم خبره . يقول الحق جل جلاله : وَ سخرنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ ، وهي الصبا ، غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ أي : جريها بالغد مسيرة شهر ، إلى نصف النهار ، وجريها بالعشي كذلك . فتسير في يوم واحد مسيرة شهرين . وكان يغدو من دمشق ، مكان داره ، فيقيل بإصطخر فارس ، وبينهما مسيرة شهر ، ويروح من إصطخر فيبيت بكابل ، وبيهما مسيرة شهر للراكب المسرع . وقيل : كان يتغذّى بالرىّ ، ويتعشى بسمرقند . وعن الحسن : لمّا عقر سليمان الخيل ، غضبا للّه تعالى ، أبدله اللّه خيرا منها الريح ، تجرى بأمره حيث شاء ، غدوها شهر ورواحها شهر . ه « 1 » . قال ابن زيد : كان لسليمان مركب من خشب ، وكان فيه ألف ركن ، في كل ركن ألف بيت معه ، فيه الجن والإنس ، تحت كل ركن ألف شيطان ، يرفعون ذلك المركب ، فإذا ارتفع أتت الريح الرخاء فتسير به وبهم . قلت : وقد تقدم أن العاصفة هي التي ترفعه ، والرخاء تسير به ، وهو أصح . ثم قال : فتقيل عند قوم ، وتمسى عند قوم ، وبينهما شهر ، فلا يدرى القوم إلا وقد أظلهم ، معه الجيوش .
--> ( 1 ) عزاه في الدر المنثور ( 5 / 427 ) لعبد الرزاق ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن الحسن .